كل يوم تظهر مقاطع قصيرة تحصد مئات الآلاف من المشاهدات. فتاة تتحدث عن تجربة سيئة، أو شاب يروي موقفًا مرّ به، أو شخص يسخر من حكم شرعي، ثم تنتهي الدقيقة الواحدة وقد خرج آلاف المشاهدين بقناعة جديدة. المشكلة ليست في سرد التجربة، فلكل إنسان الحق أن يتحدث عن حياته، وإنما في القفزة التي تأتي بعدها: تحويل تجربة فردية إلى حكم على دين كامل، أو مجتمع بأكمله، أو ملايين البشر.
أصبحت أرى محتوى يقول: “كل ما تربيت عليه كان لخدمة الرجال.” وآخر يسخر من الحجاب أو الولاية أو الزواج، وآخر يربط أي تصرف خاطئ من أب أو زوج أو أخ بالإسلام مباشرة، وكأن الخطأ لا يمكن أن يكون خطأ إنسان، بل يجب أن يكون خطأ الدين نفسه.
وهنا يبرز سؤال مهم: هل إذا أساء طبيب استخدام علمه أصبح الطب علمًا فاسدًا؟ وهل إذا ظلم قاضٍ أحدًا أصبح العدل ظلمًا؟ بالطبع لا. فلماذا عندما يسيء بعض المسلمين تطبيق دينهم، يصبح الإسلام هو المتهم؟
الإسلام لا يُعرف من تصرفات أفراده، وإنما يُعرف من القرآن والسنة. البشر يخطئون ويظلمون ويجهلون، أما النصوص فيجب أن تُقرأ كما هي، لا كما طبقها بعض الناس.
من أكثر ما يلفت انتباهي أن بعض المقاطع لا تناقش الأحكام الشرعية أصلًا، بل تناقش فهمًا خاطئًا لها، ثم تهاجم هذا الفهم على أنه هو الدين. فتجد من يخلط بين العادات الاجتماعية وبين الإسلام، وبين التشدد الشخصي وبين الأحكام الشرعية، ثم يخرج بنتيجة أن الدين هو سبب كل ما حدث له.
وقد أمرنا الله بالتثبت قبل إصدار الأحكام، فقال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6].
وقال أيضًا:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36].
هذه ليست أوامر دينية فحسب، بل قواعد عقلية أيضًا. فلا يصح أن نبني قناعة على مقطع مدته دقيقة، أو على تعليق حصد آلاف الإعجابات.
والأمر يصبح أخطر عندما يكون جمهور هذا المحتوى من المراهقين والأطفال. ففي هذه المرحلة تتشكل الهوية، ويكون الإنسان أكثر قابلية لتبني الأفكار التي تتكرر أمامه، خاصة إذا قُدمت في قالب عاطفي. قد يشاهد طفل عشرات المقاطع التي تصوّر الدين على أنه سبب كل معاناة، فيبدأ بتكوين صورة سلبية قبل أن يقرأ آية واحدة، أو يفتح كتابًا واحدًا في الفقه أو العقيدة، أو يسأل عالمًا عن الحكم الذي يسخر منه الناس.
ولا يقتصر الأمر على الدين، بل يمتد إلى المجتمع أيضًا. فمن السهل أن يرى الإنسان مئات المقاطع عن قصص سيئة، ثم يظن أن المجتمع كله كذلك، مع أن وسائل التواصل تُظهر الحالات الاستثنائية أكثر مما تُظهر الحياة الطبيعية. فالقصص الصادمة تنتشر، أما الحياة الهادئة فلا تحقق المشاهدات نفسها.
كما أن من الخطأ أن نعامل أي تيار فكري وكأنه كتلة واحدة؛ فالنسوية مثلًا ليست رأيًا واحدًا، وفيها اتجاهات متعددة، لكن بعض المحتوى المنتشر على المنصات يقدّم أفكارًا تقوم على التعميم أو على نسبة كل مشكلة إلى الدين أو إلى الرجال جميعًا، وهذا يستحق النقد. نقد هذه الأفكار لا يعني رفض حقوق المرأة أو إنكار وجود مظالم تقع على بعض النساء، بل يعني رفض الاستنتاجات التي تتجاوز الأدلة.
قد لا يفهم الإنسان الحكمة من حكم شرعي، وهذا أمر طبيعي. لكن الفرق كبير بين أن يقول: “لا أفهم الحكمة، وسأبحث عنها”، وبين أن يقول: “إذًا هذا الحكم من صنع البشر.” فالأول يبحث عن الحقيقة، أما الثاني فقد أصدر حكمه قبل أن يبدأ البحث.
المجتمعات تتغير، والأفكار تتغير، لكن الحقيقة لا تُبنى على عدد المشاهدات، ولا على كثرة الإعجابات، ولا على قصة مؤثرة. الحقيقة تحتاج إلى قراءة، وبحث، ومقارنة بين المصادر، والقدرة على التفريق بين الدين وبين من يخطئ في تطبيقه.
ولهذا، فإن أخطر أشكال الجهل في زماننا ليس نقص المعلومات، بل الثقة المطلقة بمعلومات لم نتحقق منها أصلًا. فليس كل ما ينتشر صحيحًا، وليس كل ما يُروى يمثل الواقع، وليس كل ظلم يُنسب إلى الإسلام هو من الإسلام. ومن أراد أن يحكم على دين، أو فكرة، أو مجتمع، فليحكم بعد أن يعرفها من مصادرها، لا من مقطع قصير صُمم ليحصد المشاهدات قبل أن يحصد الحقيقة


أحسنتِ الطرح ، فعلًا أصبحت من مخاوفنا هذا الزمان هي الثقة المطلقة في قول كل شيء و في استحقاق كل شيء و الجدال الدائم العقيم ، المقال رااائع👏🏻🤍.
برايّ المشكلة ليست بمن يصدق أي شيء يظهر على مقطع ريلز بل الحقيقة تظهر في تشكلات الواقع عبر المعتقدات التي تشكلت منذ زمن
هو يرى واقعه كذلك للأسف وتشكل هذا الواقع بدأ منذ زمن بالأباء والأمهات والأجداد.
المشكلة الحقيقية هي أن من قدّم المعلومة الدينية أصبح هو من يمثل الدين وليست معلومته أو رايه، غالبًا الأسهل لك أن كنت تربي طفلاً أن تبحث عن شخص كذلك. افضل من الخوض بكتب دينية وادلة حقيقية أصلية من القرأن والسنة والعالم
فأن فعل أي شيء أصبح هو القاعده السائدة بين الناس وبدا الناس يطبقونه على اساس انه الدين
بينما هو ممكن يكون عادة او حذر زائد او تقليد .