هل الوحدة اختيار أم شعور؟
كثيرًا ما نتحدث عن الوحدة وكأنها شيء واحد، لكن هل هي فعلًا كذلك؟ هل الوحدة قرار نتخذه بإرادتنا، أم شعور يزورنا دون استئذان؟
قد يظن البعض أن الوحدة مجرد الجلوس منفردًا بعيدًا عن الناس، لكن الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك. فكم من شخص يجلس وحيدًا ويشعر بالراحة والطمأنينة، وكم من شخص تحيط به الوجوه والأصوات ومع ذلك يشعر بوحدة عميقة لا يراها أحد.
من جهةٍ ما، يمكن اعتبار الوحدة اختيارًا. فهناك من يبتعد عن الآخرين ليحمي نفسه من الضجيج أو من العلاقات المرهقة. يختار أن يمنح نفسه وقتًا للتفكير، أو أن يعيد ترتيب أفكاره بعيدًا عن تأثير الآخرين. في هذه الحالة لا تكون الوحدة عقوبة، بل مساحة خاصة يجد فيها الإنسان ذاته. بل إن بعض الناس لا يكتشفون أنفسهم إلا عندما يجلسون مع أفكارهم بعيدًا عن الجميع.
لكن من جهةٍ أخرى، قد تكون الوحدة شعورًا لا علاقة له بعدد الأشخاص حولنا. قد يشعر الإنسان بالوحدة عندما لا يجد من يفهمه، أو عندما يعجز عن التعبير عما بداخله، أو عندما تتغير العلاقات من حوله دون أن يعرف كيف يتعامل مع هذا التغير. هنا لا تكون الوحدة خيارًا، بل إحساسًا يتسلل إلى القلب حتى لو حاول صاحبه تجاهله.
وربما الحقيقة أن الوحدة يمكن أن تكون الأمرين معًا. فقد نختار العزلة في البداية، ثم يتحول الاختيار إلى شعور بالوحدة. وقد نشعر بالوحدة أولًا، فنختار الابتعاد عن الناس لاحقًا. لذلك يصعب وضعها في قالب واحد أو إعطاؤها تعريفًا ثابتًا.
في رأيي، الوحدة ليست اختيارًا أو شعورًا فقط، بل حالة تتغير باختلاف الإنسان وظروفه. أحيانًا نحتاجها لنسمع أصواتنا الداخلية، وأحيانًا نهرب منها لأننا نحتاج إلى من يشاركنا أفكارنا ومشاعرنا. المشكلة ليست في الوحدة نفسها، بل في السبب الذي أوصلنا إليها.
لذلك يبقى السؤال مفتوحًا: إذا شعرت يومًا بالوحدة، فهل كان ذلك لأنك اخترتها، أم لأنها اختارتك؟

