تخيل أنك نايم على سريرك، واليوم كان عادي جدًا، ما أنجزت فيه الشيء الكثير. لكن بدل ما تقوم وتبدأ، تبدأ تفكر في بكرا. تقول: بكرا بصحى بدري، بذاكر أول ما أقوم، بعدها بقرأ شوي، وبمشي، وبرتب غرفتي، وبسوي كل الأشياء اللي أجلتها. وتبدأ ترتب اليوم في رأسك بالتفصيل، لدرجة أنك في النهاية تحس براحة غريبة… كأنك فعلًا أنجزت.
مع أنك ما سويت شيئًا.
وهنا يا عزيزي القارئ، يمكن أنك وقعت في اللي نقدر نسميه «وهم الإنجاز».
والفكرة هنا مو أنك تتعمد تخدع نفسك. بالعكس، أنت فعلًا كنت تفكر في الإنجاز، ويمكن كنت متحمس له. لكن المشكلة أن التفكير في الشيء أحيانًا يعطينا شعورًا بالتقدم، حتى لو ما تحركنا خطوة واحدة في الواقع.
وهذا يفسر ليش ممكن تجلس ساعة تخطط للمذاكرة، وبعدها تحس أنك تعبت وكأنك ذاكرت. أو تقضي وقتًا طويلًا تبحث عن طريقة تبدأ فيها عادة جديدة، ثم تنتهي وأنت تشعر أنك قطعت نصف الطريق.
لكن لو سألت نفسك: «وش اللي تغير فعلًا؟» ما راح تلقى جوابًا كبيرًا.
الكتاب ما انفتح. التمرين ما بدأ. والغرفة ما ترتبت. والمهمة اللي كنت تفكر فيها ما زالت تنتظرك.
وهنا نخلط بين الاستعداد للإنجاز والإنجاز نفسه. التخطيط مهم، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح التخطيط مريحًا لدرجة أننا نفضله على التنفيذ. في رأسك، كل شيء يمشي بشكل مثالي، أما الواقع فيحتاج منك تقوم وتبدأ.
لكن فيه شيء ثاني يمكن نكون ظلمنا أنفسنا فيه: مو لازم تنجز أشياء ضخمة عشان تقول إن يومك كان جيدًا.
أحيانًا يكفي أنك صليت صلواتك بوقتها، قرأت كم صفحة من القرآن، رتبت غرفتك، ساعدت أهلك، ذاكرت درسك، أو حتى أنجزت مهمة صغيرة كنت مأجلها.
هذه أشياء عادية جدًا، لدرجة أننا أحيانًا ما نحسبها إنجازًا أصلًا.
ننتظر من يومنا قائمة طويلة حتى نشعر بالرضا عنه، وإذا جاء الليل وما خلصنا كل شيء قلنا: «ما أنجزت اليوم».
مع أنك فعلت أشياء كثيرة، لكنها لم تكن بالشكل الكبير الذي كنت تتوقعه.
الإنجاز مو شرط يكون مشروعًا كاملًا أو ساعات طويلة من العمل. أحيانًا الإنجاز أنك حافظت على الأشياء المهمة في يومك، حتى لو كان يومك هادئًا وبسيطًا.
لكن فيه شيء آخر، وأشوفه من أكبر الأشياء اللي ممكن تسرق يومك منك: الهاتف والتواصل الاجتماعي.
جرب تحسب كم مرة تفتح إنستقرام، وبعده سناب، وبعدها تيك توك، وبعدها ترجع لإنستقرام لأنك نسيت أصلًا وش كنت تسوي.
تحس أنك عندك سالفة، وأنك مشغول بشيء، وأن الوقت يمشي لأنك تنتقل من تطبيق إلى تطبيق.
لكن لو وقفنا لحظة وسألنا: «وش سويت خلال الساعة الماضية؟»
غالبًا ما راح نلقى شيئًا.
وهذا اللي يخلي التواصل الاجتماعي خطير على إنجاز الأشياء اللي فعلًا نبي نسويها. مو لأنه يأخذ منك ساعة واحدة فقط، لكن لأنه يقطع اللحظة اللي كنت ممكن تبدأ فيها.
كنت بتقرأ؟ فتحت الجوال.
كنت بتذاكر؟ مسكت الجوال «دقيقة».
كنت بترتب غرفتك؟ قلت بشوف شيء سريع.
والدقيقة تصير عشر دقائق، والعشر تصير ساعة، وفجأة ينتهي اليوم وأنت تشعر أنك كنت مشغولًا طوال الوقت.
وأنا ما أقول إن الحل إنك تختفي من التواصل الاجتماعي أو تمنع نفسك منه تمامًا. لكن جرب قبل ما تفتحه تسأل نفسك: «أنا خلصت الشيء اللي كنت أبي أسويه اليوم؟»
إذا كانت الإجابة لا، يمكن الأفضل تعطي الشيء الذي كنت تفكر فيه خمس أو عشر دقائق أولًا.
لأن أحيانًا أكبر عائق بينك وبين الفكرة اللي في رأسك مو أنك ما تعرف كيف تبدأ، ولا أنك ما عندك وقت.
يمكن فقط أنك لم تترك لنفسك فرصة تبدأ.
وأنا أكتب هذا المقال ما أتكلم من مكان الشخص اللي عرف كل شيء وتخلص منه. بالعكس، أنا أكتب وأنا أعرف هذا الشعور، وأعرف كيف ممكن الواحد يقضي يومه كله يفكر في الأشياء اللي «بكرا بيسويها»، أو يتنقل بين التطبيقات، ثم ينام وهو يشعر أنه ما أنجز شيئًا.
فيمكن بدل ما ننتظر يومًا مثاليًا ننجز فيه كل شيء، نبدأ ننظر لليوم بطريقة أبسط.
صليت صلواتك؟ أنجزت.
قرأت قرآن؟ أنجزت.
رتبت غرفتك؟ أنجزت.
ذاكرت ولو قليلًا؟ أنجزت.
بدأت الشيء اللي كنت مأجله بدل ما تظل تفكر فيه؟ هذا إنجاز أكبر.
مو لازم يكون يومك مليئًا بالإنجازات حتى يكون له قيمة.
وأحيانًا الفرق بين يوم ضاع ويوم تشعر أنك عشته فعلًا، هو شيء صغير جدًا:
أن تبدأ بدل ما تكتفي بالتفكير في البداية

