كم مرة قررت أنك بتترك عادة سيئة؟
قلت: خلاص، من اليوم بتغير.
وفعلًا تمر عليك يومين أو ثلاثة وتحس أنك قدرت، وبعدها بطريقة ما تلقى نفسك رجعت لنفس الشيء وكأن كل المحاولة ما صارت
والغريب أننا غالبًا نعرف أن العادة ما تفيدنا. نعرف أنها تضيع وقتنا، أو تشتتنا، أو تجعل يومنا أسوأ، ومع ذلك نرجع لها
فليش؟
أحيانًا نختصر الموضوع كله بجملة: «ما عندي إرادة»
لكن كلما بحثت في الموضوع، اكتشفت أن المسألة أعقد من كذا
العادات أصلًا ما تبدأ كعادات. في البداية نحن نختارها. نفعل الشيء لأننا نريده أو لأنه يعطينا شعورًا معينًا. ثم نكرره مرة، وبعدها مرة ثانية، وبعدها يبدأ الشيء يدخل في روتيننا من غير ما ننتبه
ومع الوقت، يبدأ المكان أو الوقت أو الشعور نفسه يصبح مرتبطًا بالسلوك
مثلًا، قد تكونين جالسة تذاكرين وفجأة تحسين بالملل، فتفتحين جوالك. في البداية كان قرارًا منك، لكن بعد تكرار الموقف كثيرًا، يصبح الملل نفسه كأنه إشارة: «افتحي الجوال»
وهنا تبدأ المشكلة
الأبحاث في علم العادات تشير إلى أن تكرار السلوك في نفس السياق يجعل العلاقة بين الموقف والسلوك أقوى، ومع الوقت قد يصبح السلوك أكثر تلقائية وأقل اعتمادًا على التفكير والقرار الواعي
وهذا يفسر شيئًا غريبًا يحصل لنا كثيرًا: أحيانًا لا نقرر فعل العادة أصلًا، فقط نجد أنفسنا بدأنا بها
ولهذا أعتقد أن قول «أنا أعرف أنها عادة سيئة، إذًا المفروض أقدر أتركها» فيه تبسيط للموضوع
المعرفة شيء، والعادة شيء آخر
قد أعرف تمامًا أن السهر يجعل يومي التالي أسوأ، ومع ذلك عندما يأتي الليل أجد نفسي أكرر نفس الشيء. ليس لأني لا أعرف النتيجة، وإنما لأن السلوك أصبح جزءًا من روتيني
والأغرب أن المكان نفسه ممكن يكون له دور
قد تذهبين إلى مكان جديد وتلاحظين أنك أقل تعلقًا بعادة معينة. ثم ترجعين إلى غرفتك أو روتينك المعتاد، وفجأة ترجع العادة
لأننا لا نعيش عاداتنا في فراغ. نعيشها وسط أماكن وأوقات وأشخاص ومشاعر تتكرر معنا
وهذا أحد الأسباب التي تجعل تغيير البيئة أو الروتين أحيانًا أسهل من محاولة الاعتماد على الإرادة وحدها. الأبحاث تشير إلى أن العادات مرتبطة بالسياق الذي تكررت فيه، وأن تغيير السياق يمكن أن يضعف ظهور السلوك المعتاد مؤقتًا
وهنا بالنسبة لي جاءت النقطة التي أجدها أهم شيء في الموضوع:
ربما المشكلة ليست دائمًا في أننا لا نستطيع التغيير، بل أننا نحاول تغيير السلوك ونترك كل الأشياء التي كانت تدفعنا إليه كما هي
نفس المكان
نفس الوقت
نفس الروتين
نفس الملل
ثم نستغرب لماذا رجعنا
طبعًا هذا لا يعني أن تغيير العادة سهل. بالعكس، العادات القديمة قد تكون قوية جدًا، وتكوين نمط جديد يحتاج إلى وقت وتكرار
وحتى فكرة أن أي عادة تحتاج فقط إلى 21 يومًا ليست قاعدة علمية ثابتة. مراجعة حديثة جمعت نتائج 20 دراسة وجدت أن الوقت اللازم للوصول إلى درجة من التلقائية يختلف كثيرًا بين الأشخاص والسلوكيات، وكانت التقديرات الوسيطة لبعض العادات الصحية نحو شهرين، مع اختلاف كبير من شخص لآخر
يعني لو حاولت أغير عادة وفشلت بعد أسبوع، هذا لا يعني أنني فشلت كشخص
ولو رجعت لها بعد فترة، هذا لا يعني أن كل شيء انتهى
يمكن ببساطة أنني كنت أحاول تغيير شيء تكرر مني عشرات أو مئات المرات، وكنت أتوقع من نفسي أن أتوقف عنه بمجرد أن أقرر
وأنا أكتب هذا المقال، ما زلت أحاول أفهم عاداتي أنا أيضًا. لأن أسهل شيء أن نتكلم عن التغيير وكأننا تجاوزناه، لكن الحقيقة أن أغلبنا يحاول
يمكن بدل ما نسأل أنفسنا كل مرة:
«ليش أنا ضعيف وما أقدر أتركها؟»
نجرب نسأل:
«متى تبدأ هذه العادة؟»
«وش الشيء اللي يصير قبلها؟»
«هل فيه مكان أو وقت معين يتكرر معها؟»
«وش الشعور اللي يدفعني لها؟»
لأن معرفة بداية العادة قد تكون أهم من لوم أنفسنا على نهايتها
وفي النهاية، يمكن ترك العادات السيئة ما يكون قرارًا واحدًا نقوله في ليلة وننتهي منها إلى الأبد
يمكن يكون مجموعة قرارات صغيرة، تتكرر إلى أن يصبح الشيء الجديد مألوفًا مثلما أصبح الشيء القديم مألوفًا
وأعتقد أن أجمل شيء ممكن نسويه مع أنفسنا هو ألا نحول كل محاولة فاشلة إلى دليل ضدنا
نحن نتعلم
ونكرر
ونرجع أحيانًا
ثم نحاول مرة ثانية
وهذا بحد ذاته جزء من التغيير
المصادر:
Gardner et al., Making health habitual: the psychology of habit-formation. (PubMed Central (PMC))
Bouton, Context, attention, and the switch between habit and goal-direction in behavior. (PubMed Central (PMC))
Time to Form a Habit: A Systematic Review and Meta-Analysis of Health Behaviour Habit Formation and Its Determinants. (PubMed Central (PMC))

