عندما كنا صغارًا كانت الحياة أبسط بكثير. كنا نفرح لأسباب صغيرة، ونحزن ثم ننسى بسرعة. لم نكن نفكر كثيرًا فيما سيحدث غدًا، ولا في نوايا الناس، ولا في معنى الأشياء من حولنا.
لكن كلما كبر الإنسان ازداد وعيه، ومع ازدياد وعيه تبدأ الأسئلة.
يسمع كلمة عابرة فيفكر بمعناها. يلاحظ تغير شخص قريب منه فيتساءل عن السبب. يرى موقفًا فيحاول فهم ما وراءه. بينما يمر الحدث نفسه على شخص آخر دون أن يشغل باله.
في الحياة اليومية نرى هذا كثيرًا. قد يخطئ أحدهم في حق شخصين؛ الأول ينسى الأمر بعد ساعات، أما الثاني فيبقى يفكر: لماذا قال ذلك؟ هل يقصد شيئًا آخر؟ هل تغيرت نظرته لي؟ هنا لا يكون الألم بسبب الموقف نفسه، بل بسبب الوعي الذي جعل صاحبه يرى تفاصيل أكثر.
لكن هل هذا يعني أن الوعي شيء سيئ؟
لو كان الوعي عبئًا فقط، لما أمرنا الله بالتفكر والتدبر. في القرآن تتكرر الدعوة إلى النظر والتأمل والسؤال، لأن الإنسان كلما فهم أكثر اقترب من الحكمة. قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
فالوعي هو ما يجعل الإنسان يراجع نفسه قبل أن يخطئ، ويعرف قيمة النعمة قبل أن يفقدها، ويتعلم من تجاربه بدل أن يكررها.
ومع ذلك، فإن للوعي ثمنًا.
فالذي يرى أكثر، يفهم أكثر. والذي يفهم أكثر، لا يستطيع دائمًا أن يتجاهل ما يراه. ولهذا قد يشعر بعض الأشخاص بالتعب من كثرة التفكير، بينما يبدو غيرهم أكثر راحة.
لكن ربما المشكلة ليست في الوعي نفسه، بل في عدم قدرتنا على التوازن معه. فالوعي دون حكمة قد يتحول إلى قلق، أما الوعي مع الحكمة فيتحول إلى بصيرة.
لذلك عندما أسأل نفسي: هل الوعي نعمة أم عبء؟
أجد أن الوعي يشبه الضوء في غرفة مظلمة. قد يكشف أشياء لم أكن أرغب برؤيتها، لكنه يبقى أفضل من أن أعيش في الظلام.

