تبدأ قصتنا قبل زمنٍ طويل، مع رجلٍ كان يُعد من أعظم ملوك قوم عاد، واسمه شداد بن عاد.
تذكر الروايات أن شداد سمع يومًا بوصف الجنة وما أعده الله لعباده من قصورٍ وأنهارٍ وأشجار، فأراد - تكبرًا وغرورًا - أن يبني جنةً مثلها في الدنيا. فأمر بجمع الذهب والفضة والياقوت والزبرجد واللؤلؤ وسائر الجواهر من أنحاء مملكته، وجمع أمهر البنّائين والصنّاع، واستمر البناء سنوات طويلة حتى شُيدت مدينة لم ير الناس مثلها. كانت ذات قصور عظيمة، وأعمدة شاهقة، وزينةٍ مبهرة، حتى اشتهرت باسم إرم ذات العماد.
وبعد أن اكتمل بناؤها، خرج شداد مع من معه قاصدًا دخولها لأول مرة، لكنه لم يصل إليها أبدًا. فقبل أن يدخلها بقليل، قبض الله روحه، وهلك هو ومن كان معه، وبقيت المدينة خالية، لا يسكنها أحد، ثم أخفى الله مكانها عن الناس، حتى أصبحت مع مرور الزمن مجرد قصة تتناقلها الأجيال.
ومرت السنين… ثم القرون… وغابت أخبار المدينة، حتى ظن كثير من الناس أنها لن تُرى مرة أخرى
لكن…
صاحب قصتنا اليوم لم يكن يبحث عن مدينة، ولا عن كنز، ولا حتى عن مغامرة
كان اسمه عبد الله بن قلابة
وفي أحد الأيام، كان عبد الله نائمًا، حتى جاءه جيرانه وأيقظوه، وأخبروه أن إبله قد ضاعت، وأشاروا له إلى الجهة التي شوهدت وهي تسير نحوها.
خرج عبد الله على الفور، وأخذ يتتبع أثر إبله في الصحراء. كان يسير ساعةً بعد ساعة، وكلما ظن أنه اقترب منها، وجد الأثر يمتد أكثر. تجاوز الأماكن التي يعرفها، ودخل أرضًا لم يسبق له أن وطئها.
وبينما هو يسير…
إذا بمدينة عظيمة تظهر أمامه.
وقف مكانه من شدة الدهشة.
لم تكن قرية، ولا حصنًا، بل مدينة كاملة، بأسوارها وأبوابها، كأنها بُنيت بالأمس، لكنها ساكنة سكونًا غريبًا.
اقترب منها بحذر، ثم دخل من أحد أبوابها.
ما إن وطئت قدماه أرضها حتى أخذ ينظر يمينًا ويسارًا.
قصور شاهقة.
أعمدة عظيمة.
شوارع واسعة.
ذهب وفضة.
ولؤلؤ وياقوت وزبرجد.
كل شيء فيها كان يفوق الوصف، لكن لم يكن فيها إنسان واحد، ولا صوت، ولا حركة.
ظل عبد الله يتجول بين قصورها، ويدخل من قصر إلى آخر، وكلما دخل مكانًا ازداد تعجبًا مما يرى. كانت المدينة كاملة، لكنها خالية، وكأن أهلها خرجوا منها في لحظة ولم يعودوا أبدًا.
ثم قال في نفسه: من سيصدقني إذا أخبرتهم بما رأيت؟
فأخذ شيئًا من اللؤلؤ والياقوت والجواهر التي كانت في المدينة، لا ليبيعها أو يغتني بها، وإنما لتكون دليلًا يشهد له إذا عاد إلى الناس.
ثم خرج من المدينة، وسار حتى رجع إلى قومه.
ولما قص عليهم ما رأى، لم يصدقه أحد.
فانتشر خبره حتى بلغ الخليفة معاوية بن أبي سفيان، فأمر بإحضاره إليه.
وقف عبد الله بين يدي معاوية، وأعاد عليه القصة من أولها إلى آخرها، وأراه ما أخذه من الجواهر.
فأرسل معاوية في طلب كعب الأحبار، وكان ممن عُرف بعلمه بأخبار الأمم السابقة.
فلما حضر كعب، سمع قصة عبد الله بن قلابة كاملة، ثم نظر إلى الجواهر، وقال:
“هذه - والله - إرم ذات العماد التي ذكرها الله في كتابه.”
ثم قال إن الكتب القديمة ذكرت أن رجلًا من هذه الأمة سيدخلها، ويرى ما فيها، ثم يخرج منها، وأن أوصاف ذلك الرجل تنطبق على عبد الله بن قلابة.
ومنذ ذلك اليوم، أصبحت قصة عبد الله بن قلابة وإرم ذات العماد من أشهر القصص التي تناقلتها كتب التراث، وبقيت المدينة واحدة من أكثر المدن غموضًا وإثارةً للجدل.
ملاحظة: هذه القصة ليست حديثًا صحيحًا عن النبي ﷺ، ولم تثبت بإسناد صحيح، وإنما وردت في بعض كتب التفسير والأخبار، وأكثر طرقها تدور على روايات من الإسرائيليات، ولذلك لا يجزم أهل العلم والمؤرخون بصحتها التاريخية، وإنما تُروى على أنها من الأخبار التراثية المشهورة

