ربما لا نشتاق إلى الأشخاص بقدر ما نشتاق إلى أنفسنا التي كنا عليها معهم إلى تلك النسخة التي كانت أخف أبسط وأقل إدراكًا لثقل الفقد ومرور الأشياء
الشوق في حقيقته لا يعني أنك ما زلت واقفًا في المكان نفسه ولا يعني أنك لم تتجاوز أحيانًا هو مجرد أثر طبيعي لتجربة عاشت بداخلك بصدق فتركت خلفها علامة لا تُمحى بسهولة فليس كل ما ينتهي في الواقع ينتهي داخل الإنسان
التجاوز لا يُقاس بغياب الشعور بل بغياب السيطرة أن تتذكر دون أن يجرّك التذكر إلى الوراء وأن يمر الماضي في ذهنك دون أن يعطّل حاضرك أو يربكه هذه هي المسافة الحقيقية بين الذكرى والأسر
وقد يبدو الشوق أحيانًا غير مفهوم يأتي بلا سبب واضح من رائحة عابرة أو مكان مررت به صدفة أو حتى لحظة هدوء مفاجئة فيفتح داخلك أبوابًا ظننت أنها أُغلقت لكنه رغم ذلك لا يملك سلطة إعادتك بل فقط يذكّرك بما كان
وفي العمق نحن لا نتجاوز لأننا ننسى بل لأننا نتعلم كيف نكمل رغم ما نتذكر الذاكرة لا تُمحى لكنها تفقد قدرتها على التحكم فينا مع الوقت وهذا هو شكل النضج الحقيقي
وقد قيل في المعنى
“ما يغادرنا حقًا ليس ما ننساه بل ما نتعلم أن نعيش بدونه”
فالشوق ليس دليل بقاء بل دليل مرور عميق علامة على أن شيئًا ما كان صادقًا بما يكفي ليبقى أثره لكنه لم يعد قادرًا على أن يكون حاضرًا كما كان

